الشنقيطي

264

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [ الزمر : 14 - 15 ] . الثالث - أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة ؛ لأن اللّه يقول : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فقيّد ذلك بالإيمان ، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح . وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة ، كقوله في عمل غير المؤمن : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 23 ] ، وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 ) [ هود : 16 ] ، وقوله : أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [ النور : 39 ] الآية ، وقوله : أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [ إبراهيم : 18 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة . فقال قوم : لا تطيب الحياة إلا في الجنة ، فهذه الحياة الطيبة في الجنة ؛ لأن الحياة الدنيا لا تخلو من المصائب والأكدار ، والأمراض والآلام والأحزان ، ونحو ذلك ؛ وقد قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) [ العنكبوت : 64 ] . والمراد بالحيوان : الحياة . وقال بعض العلماء : الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة في الدنيا ، وذلك بأن يوفق اللّه عبده إلى ما يرضيه ، ويرزقه العافية والرزق الحلال ؛ كما قال تعالى : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) [ البقرة : 201 ] . قال مقيده عفا اللّه عنه : وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية : حياته في الدنيا حياة طيبة ؛ وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة : حياته في الجنة في قوله : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً صار قوله : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) تكرارا معه ؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم ؛ بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا ؛ فإنه يصير المعنى : فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة ، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل ، وهو واضح . وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن تؤيّده السنة الثابتة عنه صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة : والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت . وقد روي عن ابن عباس وجماعة : أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أنه فسرها بالقناعة ، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ، ووهب بن منبه - إلى أن قال - وقال الضحاك : هي الرزق الحلال ، والعبادة في